عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وبعد فقد ورد هذا الحديث في بحار الأنوار كما تفضلتم(1)
وإن الحديث عن البلاء يتطلب مراجعة للروايات الواردة عن سيد الأنبياء و آله الشرفاء
وما فهمه العلماء من خلال نظرهم للشريعة الغراء
والبلاء سنة إلهية جرت على القوم الماضين وكل الخلق أجمعين ابتداء من الأنبياء المرسلين ووصولا إلى خاتم النبين وآله الطاهرين عليهم صلوات رب العالمين
وهذا يستدعي منا أن نعرف حينئذ أن البلاء ليس على وتيرة واحدة بل هو من الأمور النسبية التي تختلف باختلاف حال الشخص المُبتلى
ولذلك نرى أن البلاء مرة يكون للتأديب وثانية للتهذيب وثالثة لعلو الدرجات كما نصت على ذلك الروايات
فالمولى يبتلي الظالم لكي يؤدبه نتيجة لما صدر منه من انتهاك لحرمة المولى وإفراطه في عصيان الرب الأعلى وإمعانه في ارتكاب المعاصي وعدم التوبة منها والإقلاع عنها وكلما زاد في عصيانه زاد المولى له في بلائه ورد في الرواية:
...قال: سمعت الرضا (ع) يقول: كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون(2).
وأما المؤمن فالظاهر من الروايات أن بلاءه ليس للتأديب وإنما للتهذيب
فالله يبتلي المؤمن لكي يمتحن قلبه هل لازال هذا القلب متعلقا بالله تعالى أم بمجرد نزول البلاء يعلن الاستسلام و العداء لرب السماء
كل ذلك حينما يطرح في الساحة شعارا و يعلن لنفسه انتماءً تأتي الآيات الكريمات لتشير إلى أن الكلام عن الإيمان كثير ولكن الموقف قليل قليل فالله يريد منا أن تكون كلماتنا مواقفَ قال تعالى في كتابه المجيد:
(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)
بمعنى أنهم لا يمتحنون بأموالهم و أولادهم و كل ما فيه معاشهم و لذلك نرى أن الله لا يريد منا إيمانا لفظيا بل إيمانا حقيقيا ذلك الإيمان الذي لا تهزه عواصف الفتن و لا تراكم المحن
وإن اتضح ذلك نأتي للجواب عن سؤالكم و نستميح العذر منكم للإطالة عليكم
فالإنسان له بعدان بُعدٌ جسدي و بُعدٌ روحي وكما أن الجسد لا يقوى إلا بالعمل و الجد لأن الكسل و الخمول يضعفه وما يحتاجه أيضا من طعام و شراب وإلا وقع بالضعف والهلاك
كذلك الروح فإنها إنما تتكامل و تترقى في ظل نزول البلاء من المولى فهو غذاؤها وبه يشتد كمالها
كما ورد في الرواية
عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: إن الله ليغذي عبده المؤمن بالبلاء كما تغدي الوالدة ولدها باللبن...
فقد استخدم النبي ص لفظة الغذاء فكما أن الطعام غذاء للجسد كذلك البلاء غذاء الروح
وهذا من شأنه أن يُكسب الإنسان نفعا في الدنيا والآخرة
إن صبر و احتسب لأن الصبر من الإيمان بمزلة الرأس من الجسد فكما أنه لا خير في جسد لا رأس معه
كذلك لا خير في إيمان لا صبر يرافقه
ومن عظيم رحمته أن أنزل على عبده البلاء ليغذي روحه كما تغذي الأم ولدها باللبن
الأم التي هي نبع من الحنان فما بالك بحنان المنان الرب الرحيم الرحمان
ونتيجةَ ذلك يصبح الإنسان مشمولا للرحمات
الإلهية و الألطاف الربانية فيصير في نور الله الأعظم:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربع من كن فيه كان في نور الله الأعظم، من كانت عصمة أمره شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ومن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن إذا أصاب خيرا قال: الحمد لله رب العالمين، ومن إذا أصابته خطيئة قال: أستغفر الله وأتوب إليه (4)
دمتم موفقين لكل خير
المصدر:
(1) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧٩ - الصفحة ١٣٩
(2) علل الشرائع - الشيخ الصدوق - ج ٢ - الصفحة ٥٢٢
(3) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧٨ - الصفحة ١٩٥
(4) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٩٠ - الصفحة ١٩٩